محمد بن جرير الطبري
250
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
بالموت فأهلكهم ، وأجعل لك شعبا أشد منهم . فقال موسى يسمع أهل المصر الذين أخرجت هذا الشعب بقوتك من بينهم ، ويقول ساكنو هذه البلاد الذين قد سمعوا أنك أنت الله في هذا الشعب ، فلو أنك قتلت هذا الشعب كلهم كرجل واحد ، لقالت الأمم الذين سمعوا باسمك : إنما قتل هذا الشعب من أجل لا يستطيع أن يدخلهم الأرض التي خلق لهم ، فقتلهم في البرية ، ولكن لترتفع أياديك ، ويعظم جزاؤك يا رب كما كنت تكلمت وقلت لهم ، فإنه طويل صبرك ، كثيرة نعمك ، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق ، وإنك تحفظ الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أجيال وأربعة ، فاغفر أي رب آثام هذا الشعب ، بكثرة نعمك ، وكما غفرت لهم منذ أخرجتهم من أرض مصر إلى الآن فقال الله جل ثناؤه لموسى ( ص ) : قد غفرت لهم بكلمتك ، ولكن قد أتى أني أنا الله ، وقد ملأت الأرض محمدتي كلها ، ألا ترى القوم الذين قد رأوا محمدتي وآياتي التي فعلت في أرض مصر وفي القفاز ، سألوني عشر مرات ولم يطيعوني ، لا يرون الأرض التي خلقت لآبائهم ، ولا يراها من أغضبني فأما عبدي كالب الذي كان روحه معي واتبع هواي ، فإني مدخله الأرض التي دخلها ، ويراها خلفه . وكان العماليق والكنعانيون جلوسا في الجبال ، ثم غدوا فارتحلوا في القفار في طريق يحرسون ، وكلم الله عز وجل موسى وهارون ، وقال لهما : إلى متى توسوس علي هذه الجماعة جماعة السوء ؟ قد سمعت وسوسة بني إسرائيل . وقال : لأفعلن بكم كما قلت لكم ، ولتلقين جيفكم في هذه القفار ، وحسابكم من بني عشرين سنة فما فوق ذلك من أجل أنكم وسوستم علي ، فلا تدخلوا الأرض التي دفعت إليها ، ولا ينزل فيها أحد منكم غير كالب بن يوفنا ويوشع بن نون ، وتكون أثقالكم كما كنتم الغنيمة . وأما بنوكم اليوم الذين لم يعلموا ما بين الخير والشر ، فإنهم يدخلون الأرض ، وإني بهم عارف لهم الأرض التي أردت لهم وتسقط جيفكم في هذه القفار ، وتتيهون في هذه القفار على حساب الأيام التي جسستم الأرض أربعين يوما مكان كل يوم سنة وتقتلون بخطاياكم أربعين سنة ، وتعلمون أنكم وسوستم : قد أتى أني أنا الله فاعل بهذه الجماعة ، جماعة بني إسرائيل ، الذين وعدوا بأن يتيهوا في القفار ، فيها يموتون فأما الرهط الذين كان موسى بعثهم يتجسسون